عمر فروخ

612

تاريخ الأدب العربي

منها المذلّة والمسكنة الذمّية « 1 » ، ومنها سماع ما يفجع الأفئدة من ذكر من قدّس اللّه ذكره « 2 » وأعلى خطره لا سيما من أراذلهم وأسافلهم ؛ ومنها عدم الطهارة والتصرف بين الخنازير وجميع المحرّمات إلى غير ذلك مما لا ينحصر ذكره ولا تعداده . - من الحياة الاجتماعية في أثناء الحروب الصليبية : ومن العجب أنّ النصارى المجاورين لجبل لبنان إذا رأوا به أحد المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم « 3 » القوت وأحسنوا إليهم ، ويقولون : هؤلاء ممّن انقطع إلى اللّه عزّ وجلّ فتجب مشاركتهم . وهذا الجبل من أخصب جبال الدنيا فيه أنواع الفواكه وفيه المياه المطّردة والظّلال الوارفة « 4 » . وقلّما يخلو من التبتّل والزهادة « 5 » . وإذا كانت هذه معاملة النصارى لضدّ ملّتهم هذه المعاملة ، فما ظنّك بالمسلمين بعضهم مع بعض . ومن أعجب ما يحدّث به أنّ نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى . وربما يلتقي الجمعان ويقع بينهم المصافّ « 6 » ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم « 7 » دون اعتراض ، شاهدنا في هذا الوقت - الذي هو شهر جمادى الأولى « 8 » - من ذلك خروج صلاح الدين بجميع عسكر المسلمين لمنازلة حصن الكرك ، وهو أعظم حصون النصارى ، وهو المعترض في طريق الحجاز والمانع لسبيل المسلمين على البرّ - بينه وبين القدس مسيرة يوم أو أشفّ قليلا « 9 » . . . . فنازله هذا السلطان وضيّق عليه

--> ( 1 ) يعانيها : يقاسيها ، يخضع لها . المسكنة الذمّيّة ( الخضوع لغير المسلمين ) . ( 2 ) يفجع ( يؤلم ) الأفئدة : ( القلوب ) من ذكر من قدّس اللّه ذكره ( الرسول ) . ( 3 ) النصارى الذين كانوا ( في مطلع القرن السابع للهجرة - الثالث عشر للميلاد ) يسكنون جوانب من الساحل . ( 4 ) المطّردة : ( الأنهار ) التي يتتابع جريان مائها . الوارف : المتسع . ( 5 ) التبتّل : ترك الزواج ، الانقطاع إلى عبادة اللّه . الزهادة ( بالفتح ) : الزهد ( بالضمّ : ترك الرغبة في أمور الدنيا ) . ( 6 ) الجمعان : الفريقان المتعاديان . المصاف : الوقوف في موقف المستعدّ للقتال . ( 7 ) ورفاق المسلمين والنصارى ( من الذين لا يتقاتلون ) تختلف ( يختلفون : يتنقّلون ) بينهم ( بين الذين يتقاتلون ) من مكان إلى آخر . ( 8 ) من سنة 580 ه ( صيف 1184 م ) . ( 9 ) صلاح الدين الأيوبي . . . . الكرك ( بلدة عند الطرف الجنوبي الشرقي من البحر الميت ) . أشفّ ! ( أقلّ ؟ ) .